الفيروز آبادي
64
بصائر ذوى التمييز في لطائف الكتاب العزيز
قال أبو سليمان الخطّابى : النّصيحة كلمة جامعة معناها حيازة الحظّ للمنصوح له ، ويقال : هو من وجيز الأسماء ومختصر الكلام ، فإنّه ليس في كلام العرب كلمة مفردة تستوفى بها العبارات عن معنى هذه الكلمة حتى يضمّ إليها شيء آخر ، كما قالوا في الفلاح إنّه ليس في كلام العرب كلمة أجمع لخير الدنيا والآخرة منه ، حتّى صار لا يعدله شئ من الكلام في معناه . قيل : الكلمة مأخوذة من نصح : خاط ، وقيل : من نصح العسل : صفّاه ، شبّهوا تخليص القول والعمل من شوب الغشّ والخيانة بتخليص العسل من الخلط انتهى ملخّص كلامه وأقول : النّصح : الخلوص مطلقا ولا تقييد له بالعسل ولا بغيره كما قدّمته آنفا . وإعادة معنى الكلمة على معنى الخلوص أوضح . وأمّا بيان أنواع النّصيحة [ فقد ] قال الشيخ أبو زكريا : قالوا : مدار الدّين على أربعة أحاديث ، وأنا أقول بل مداره على هذا الحديث وحده . ثمّ اعلم أنّ النّصيحة أقسام كما بيّنه صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ فأمّا النصيحة للّه عزّ وجلّ فمعناها منصرف إلى اعتقاد وحدانيّته ، ووصفه بما هو أهله ، وتنزيهه عمّا لا يجوز عليه ، والرّغبة في محابّه والبعد عن مساخطه ، والإخلاص في عبادته ، والحبّ فيه والبغض ، وموالاة من أطاعه ، ومعاداة من عصاه ، وجهاد من كفر به ، والاعتراف بنعمه والشكر عليها بالقول والفعل ، والدّعاء إلى جميع هذه الأوصاف المذكورة ، والحثّ عليها / ، والتلطّف في جمع جميع الناس أو من أمكن منهم عليها . وحقيقة هذه الإضافة راجعة إلى العبد في نصحه نفسه للّه ، ودعوة غيره من الخلق إلى هذه الخصال . واللّه سبحانه غنىّ عن نصح كلّ ناصح .